ابن كثير

116

البداية والنهاية

ذكر من توفي فيها من المشاهير والأعيان سعيد بن جبير الأسدي الوالبي مولاهم أبو محمد ، ويقال أبو عبد الله ، الكوفي المكي ، من أكابر أصحاب ابن عباس ، كان من أئمة الاسلام في التفسير والفقه وأنواع العلوم ، وكثرة العمل الصالح ، رحمه الله ، وقد رأى خلقا من الصحابة ، وروى عن جماعة منهم ، وعنه خلق من التابعين ، يقال إنه كان يقرأ القرآن في الصلاة فيما بين المغرب والعشاء ختمة تامة ، وكان يقعد في الكعبة القعدة فيقرأ فيها الختمة ، وربما قرأها في ركعة في جوف الكعبة . وروي عنه أنه ختم القرآن مرتين ونصفا في الصلاة في ليلة في الكعبة . وقال سفيان الثوري عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال : لقد مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه . وكان في جملة من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج ، فلما ظفر [ الحجاج ] هرب سعيد إلى أصبهان ، ثم كان يتردد في كل سنة إلى مكة مرتين ، مرة للعمرة ومرة للحج ، وربما دخل الكوفة في بعض الأحيان فحدث بها ، وكان بخراسان لا يتحدث لأنه كان لا يسأله أحد عن شئ من العلم هناك ، وكان يقول : إن مما يهمني ما عندي من العلم ، وددت أن الناس أخذوه . واستمر في هذا الحال مختفيا من الحجاج قريبا من ثنتي عشرة سنة ، ثم أرسله خالد القسري من مكة إلى الحجاج وكان من مخاطبته له ما ذكرناه قريبا . وقال أبو نعيم في كتابه الحلية ( 1 ) : ثنا أبو حامد بن جبلة ، ثنا محمد بن إسحاق ، ثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف ، ثنا شعبان عن سالم بن أبي حفصة . وقال : لما أتي بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له : أنت الشقي بن كسير ؟ قال : لا ! إنما أنا سعيد بن جبير ، قال لأقتلنك ، قال : أنا إذا كما سمتني أمي سعيدا ! قال شقيت وشقيت أمك ، قال : الامر ليس إليك . ثم قال : اضربوا عنقه ، فقال : دعوني أصلي ركعتين ، قال : وجهوه إلى قبلة النصارى ، قال : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) [ مريم : 17 ] قال : إني أستعيذ منك بما استعاذت به مريم ، قال : وما عاذت به ؟ قال : قالت ( إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) [ البقرة : 115 ] قال سفيان : لم يقتل بعده إلا واحدا . وفي رواية أنه قال له : لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى ، قال : لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها . وفي رواية أنه لما أراد قتله قال : وجهوه إلى قبلة النصارى ، فقال : ( أينما تولوا فثم وجه الله ) فقال : اجلدوا به الأرض ، فقال : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ) [ طه : 55 ] فقال : اذبح فما أنزعه لآيات الله منذ اليوم . فقال : اللهم لا تسلطه على أحد بعدي . وقد ذكر أبو نعيم هنا كلاما كثيرا في مقتل سعيد بن جبير ، أحسنه هذا والله أعلم .

--> ( 1 ) حلية الأولياء 4 / 291 وانظر ابن الأعثم 7 / 161 - 162 ووفيات الأعيان 2 / 372 - 373 . وصفة الصفوة 3 / 80 - 83 .